تطبيق ChatGPT بين المصلحة والتفرد الآلي

بقلم الدكتور خالد علمي

استطاع روبوت المحادثة “ChatGPT” خطف الأضواء منذ إصداره في شهر نونبر 2022، بعدما أحدث ثورة غير مسبوقة في عالم الذكاء الاصطناعي بقدراته المذهلة في إجراء المحادثات والرد على الاستفسارات بطريقة لغوية طبيعية، استطاع من خلالها التفوق على جل التطبيقات المعروفة الأخرى من حيث الاستخدامات وسرعة الانتشار. فقد أظهرت دراسة لبنك “UBS” السويسري أن تطبيق “ChatGPT” يأتي في مقدمة التطبيقات التي شهدت معدل ارتفاع قياسي في عدد المستخدمين منذ بدء الاستخدام الفعلي لشبكة الإنترنت قبل أكثر من 20 سنة، وبات موقع الشركة “OpenAI” المالكة للتطليق واحدا من أكثر 50 موقعًا تمت زيارتها في العالم ووصل العدد اليومي لمستخدمي التطبيق خلال  شهر يناير الماضي -فقط- ما معدله 13 مليون شخصا.

فكيف استطاع هذا التطبيق المؤطَّر بالنفعية والتفرد الآلي الظفر بهذا الحجم الكبير من الاهتمام ؟ 

تقنية ذكاء اصطناعي توليدي

قبل ما يقرب من 15 سنة، كانت  تطبيقات الكتابة الصوتية -تقريبا- ضربا من الخيال بحيث يمكن تحويل كلام صوتي بشري إلى كلام مكتوب على شاشة الكمبيوتر، فكانت تجربة برنامج  “IBM via Voice” من بين التجارب التي سارت في هذا الاتجاه، وهو برنامج يحاول فهم الصوت الذي يسمعه وتحليله إلى مقاطع نغمية تمكنه من تسجيل البصمة الصوتيَّة توازيا مع حفظ النص المقروء، فإذا سمع مقطعًا منها مرة أخرى شرع في عملية فكِّ تشفيره ليتمكَّن من استدعاء النصِّ المقابل له. إضافةً إلى ذلك، يعمل البرنامج على تصحيح الكلمات التي تعرف عليها مسبقًا بصورة خاطئة من خلال سماعها من المستخدِم أكثر من مرة -تلقائيًّا- بنغمات صوتية ذات نُطْقٍ مُوحَّد للنص الواحد، وذلك قصد تحسين جودة ودقة فكِّ التشفير في أي عملية استدعاء لاحقة، وهي دقة لم تكن تتجاوز  80%  مع أهميتها  آنذاك.

ومنذ أن بدأ ربط التطبيقات والبرامج الحاسوبية بالإنترنت، ومِنْ ثَمَّ مشاركة استخدامها وتحديثها عبر الإنترنت من طرف جمهور عريض من المستخدمين طوال الوقت، أصبحت التطبيقات تتعلم المزيد والمزيد، بخلاف برنامج “IBM via Voice” الذي كان مُعلِّمه ومُدرِّبه هو المستخدم وحده، فكانت الحاجة إلى تقنية “Chatbot” التي يكون في إمكانها تدريجيًّا أنْ تُعلِّم نفسَها بنفسها من خلال الاستخدام المستمر لها عبر الانترنت. وتعد تطبيقات “Chatbot”، أو “الدردشة الروبوتية” من البرامج المصممة لمحاكاة المحادثات البشرية عبر الإنترنت بذكاء، من خلال الكتابة النصيَّة أو الصوتية أو تحويل النص إلى كلام أو العكس، وتستخدم في ذلك آلية فحص الكلمات المدخلة إليها وفرزها إلى كلماتٍ رئيسةٍ، ثم سحب الرد مع الكلمات الرئيسة الأكثر مطابقة والأفضل صياغة من النصوص المخزنة عليها في قاعدة البيانات. وغالبا ما تُدمَج هذه البرامج في أنظمة المحادثات لأغراض مختلفة. وقد كان الاستخدام الأول لهذه التطبيقات في مجال خدمة العملاء من قبل الشركات التجارية الكبيرة وبعض مواقع الإنترنت التفاعلية التي تعتمد على تواصُل الجمهور مع بعضه، مثل:  Facebook، Twiter و Telegram، إلى أن أصبح الاعتماد على هذه التقنية مشاعا  في التطبيقات المستعملة في العديد من الشركات والمواقع وفئة معينة من المستخدمين. ويعتمد تقييم جودة التطبيقات بتقنية “Chatbot” على ثلاث عوامل أساسية: -أولا، عامل الجهد المبذول في تدريبها وتعليمها من طرف مطوِّرها أو مستخدميها، -ثانيا، عامل الكمِّ الذي تعتمد عليه من المعلومات، -وثالثا، عامل الوقت الذي تستغرقه عملية الإنشاء والتطوير حتى يصل إلى مرحلة التطبيق الجيد.

وقد استطاعت الكثير من التطبيقات المعتمدة على تقنية “Chatbot” إلى الوصول إلى مراحل متقدمة من التطوير، كان آخرها تطبيق “ChatGPT” الذي طوَّرته شركة “OpenAI” الأمريكية وأطلقته في شهر نونبر  2022، وهو برنامج محادثة أو دردشة روبوتية مشابهة لمحادثات البشر يعتمد على الذكاء الاصطناعي للإجابة عن أسئلة المستخدمين وتزويدهم بالمعلومات وخدمات أخرى عند الطلب، ككتابة المقالات والأبحاث والبرمجة المعلوماتية والانتاج الفني…، وقد جاءت الحروف “GPT” المتضمنة في اسم التطبيق، والتي تعني اختصارًا: “Generative Pre-trained Transformer”، أي “المحوِّل التوليدي المُدرَّب مسبقًا”، إشارة إلى اعتماد التطبيق  على تقنية “الذكاء الاصطناعي التوليدي Generative AI”، التي كان يجري تطويرها لسنوات بهدف توليد محتوى جديد اعتماداً على بيانات موجودة سابقاً. وتتراوح إمكانيات هذه التقنية من توليد الصور والأصوات والنصوص إلى مقاطع الفيديو، كما تعمل التقنية على تدريب نموذج الذكاء الاصطناعي على مجموعة ضخمة من الإنتاج البشري كالكتب والمقالات والرسومات، بحيث يستخدم النموذج هذه البيانات لتعلُّم الأنماط والعلاقات بين العناصر المختلفة الموجودة فيها، وبعد التدرّب على البيانات يمكن استخدام النموذج لتوليد محتوى جديد من خلال التنبؤ بالعنصر التالي ضمن سلسلة من العناصر المحتملة، فعلى سبيل المثال، لا يفهم الذكاء الاصطناعي معنى عبارة “ذهب التلميذ إلى المدرسة”، لكن من خلال تدريبه على ملايين النصوص تتكون لديه قاعدة معرفية تتيح له التقدير بأن التلميذ هو فاعل والمدرسة هي مكان وأنها يجب أن تأتي مجرورة، ليس لأن الذكاء الاصطناعي يفهم ما هو الجر والمجرور، لكن لأنّه لاحظ أن الكلمات دائماً ما تأتي مجرورة بعد “إلى” في النصوص التي تدرّب عليها، ومن ثَم يُصبح النموذج بعد التدريب الكافي قادراً على كتابة جملة مثلها حتى لو لم تكن تلك الجملة من ضمن البيانات التي تدرّب عليها سابقاً، لهذا لو تم تدريب نموذج الذكاء الاصطناعي على مجموعة من البيانات التي تتضمن مقالاتٍ إخبارية سيُصبح قادراً على توليد مقالات جديدة تُشبهها بحيث لا يمكن تمييزها عن المقالات المكتوبة بشرياً. ويُعتبر توليد النصوص حقلاً من حقول تقنيات الذكاء الاصطناعي يعتمد على ما يُعرف ب”معالجة اللغة الطبيعية Natural Language Processing”. وتعمل خدمات توليد الصور بطريقة مشابهة اعتماداً على تقنية “الرؤية الحاسوبية Computer Vision”، إذ يستطيع الذكاء الاصطناعي توليد صور جديدة اعتماداً على صور موجودة سابقاً دُرِّب عليها، فمثلا لو دُرِّب النموذج على صور تحتوي على وجوه يُصبح قادراً على توليد صور وجوه جديدة لا تُشبه تلك التي تدرب عليها لكنها تبدو واقعية للغاية.

تعدد الاستخدامات

يوفر تطبيق “ChatGPT” إجابات على استفسارات المستخدمين بطريقة سريعة وذكية جدا تحاكي الطريقة التي يرد بها البشر، وتتعدى في ذلك محرك البحث “Google” أو “مساعد جوجل الصوتيGoogle Assistant ” أو “مساعد آبل سيري الصوتي”Apple وغيرها، وهذه الإمكانيات المتميزة لتطبيق “ChatGPT” تجعله قادرا على المساعدة في العديد من الاستخدامات، فمنذ صدوره قبل بضعة شهور، لم تتوقف وتيرة وتعدد استخداماته لتشمل العديد من المجالات المختلفة، ومن أهمها:  

1- مجال الكتابة النصية: -كتابة نصوص حسب الطلب وبلغات مختلفة، -اكتشاف الأخطاء اللغوية في النصوص المعروضة من ناحية القواعد الصرفية والنحوية أو من ناحية الإملاء أو حتى من ناحية المعنى اللغوي، -اقتراح البديل الصحيح للنصوص أو للمفردات اللغوية الواردة فيها، -البحث عن النصوص المشابهة للنصوص ، -تلخيص النصوص، -كتابة الرسائل الإلكترونية بالصيغة المتناسبة مع المعطيات التي تقدم إليه،…

2- مجال الإبداع الفني والأدبي: -رواية قصص خيالية أو تعليمية أو أي نوع آخر من القصص حسب الموضوع والفئة العمرية المستهدفة ونوع الشخصيات ونوع القصة، -كتابة النصوص الإبداعية، -تأليف النكت الإبداعية، -تأليف الأغاني، -كتابة السيناريوهات، -ابتكار  التصاميم الجرافيكية الواقعية أو الخيالية، -تحويل النصوص إلى صور، -اقتراح عناوين لمقاطع الفيديو، -اقتراح الأفلام والمسلسلات حسب الميول الفني،…

3- مجال المعلوميات والبرمجة: -اقتراح العديد من الاختيارات لكلمات المرور. -تزويد المستخدم بالاستشارات المتعلقة بتصميم وتطوير المواقع الالكترونية، -اختبار فعالية البرمجيات المكتوبة وتحديد إذا ما كانت تفي بالمعايير المطلوبة وكتابة تقرير مفصل عن أي ثغرة توجد في النظام والتزويد بالإرشادات اللازمة من أجل تعدليها، -كتابة وشرح الأكواد والشفرات البرمجية ووظائفها وتحويلها أو ترجمها  من لغة برمجية إلى أخرى، -تصحيح الأكواد البرمجية وتعقب ثغراتها وعيوبها وتقديم اقتراحات لتحسينها، -اقتراح أفضل الأدوات والطرق لتنفيذ الوظائف البرمجية،…

4- المجال الفكري والعلمي: -شرح الموضوعات الفكرية المعقدة ببساطة، -القيام بالبحث والتعمق في المواضيع الفكرية المختلفة وعرض النتائج والحجج من وجهات النظر المختلفة، -استنباط الاستنتاجات الفكرية المبنية على أدلة وبراهين منطقية. -كتابة المقالات الفكرية، -تلخيص الأوراق والأبحاث والمقالات الفكرية والعلمية بلغات مختلفة، -اقتراح عناوين للمقالات، -المناظرة الفكرية،…

5- المجال التعليمي: -تزويد المتعلمين بالمعلومات على مدار الساعة وتحليل أداءهم  وتحديد مجالات الضعف عندهم. -توفير الدعم والموارد الموجهة والمساعدة للمعلمين، -تعلم اللغة الإنجليزية على مستوى النطق والكتابة الصوتية والمصطلحات وشرح قواعدها، -حل المعادلات الرياضية خطوة بخطوة،…

6- مجال الأعمال: -اقتراح العلامات التجارية بما يناسب مجال العمل والأهداف، -كتابة محتوى الإعلانات وترجمته بالصيغ المناسبة والشاملة التي تجذب انتباه الفئة المستهدفة، -تزويد المستخدم  بالخطط اللوجستيكية الملائمة للمناسبات والتظاهرات، -القيام بدور المحاسب لإيجاد طرق إبداعية لإدارة المصاريف وإعداد الميزانيات ووضع الاستراتيجيات الاستثمارية وإدارة المخاطر المتعلقة بالخطط المالية. -كتابة الخطابات التحفيزية التي تلهم الموظفين وتساعدهم على تركيز اهتماماتهم وتوجيه طاقاتهم لأداء أعمالهم بفاعلية أكبر، -المساعدة في عمليات التسويق وصناعة المحتوى والتأثير والترويج على منصات التواصل الاجتماعي،…

7- المجال الطبي والنفسي: -تقديم الحلول والاقتراحات لتحسين الوضعية النفسية للمستخدم اعتمادا  على ما يصرح به -بطريقة دقيقة- من أفكار ذهنية وأحوال نفسية ومشاعر وأحاسيس، -تقديم النصائح حول العلاقات العاطفية. -تقديم المعلومات حول طرق تشخيص وعلاج الأمراض، -المساعدة في تشخيص الحالات المرضية انطلاقا من الوصف المقدم من طرف المستخدم،…

8- المجال الحياتي والوظيفي: -اقتراح خطط إستراتيجية للمساعدة في عملية اتخاذ القرارات الحياتية اعتمادا  على وضعية المستخدم وأهدافه في الحياة، -تقديم النصائح في مختلف المواضيع  كرسم التطلعات المستقبلية وكيفية التعامل مع المشاعر والعادات الصحية لتحسين فاعلية الحياة، على غرار وظيفة “مدرب الحياة أو Life Coach”، -تقديم الخيارات الوظيفية المناسبة والمتوافقة مع مهارات وخبرات واهتمامات المستخدم ومعطيات سوق الشغل. -كتابة السيرة الذاتية بصيغ مناسبة ومرتبة حسب البيانات والمعلومات الشخصية والمؤهلات العلمية والخبرات  العملية والمهارات الحياتية وحسب الوظيفة المعروضة، -المساعدة في التدريب والاستعداد للمقابلات الوظيفية، وذلك بلعب دور المقابل الذي يطرح الأسئلة التي تتعلق بالوظيفة على المستخدم، – توفير فرصة الاطلاع على الأخبار الإعلامية بشكل مفصل وسريع بما فبها نشرات أحوال الطقس والمناخ،…

سياق تنافسي محموم 

استطاع تطبيق “ChatGPT” اجتذاب ملايين المستخدمين النشطين (ما يقارب 100 مليون مستخدم) بوتيرة سريعة جدا، مقارنةً بالمنتجات التقنية الأخرى، وقد أدى هذا الاهتمام الواسع بالتطبيق إلى تنامي رغبة عمالقة البرمجة في المساهمة في تطوير مجال الذكاء الاصطناعي التوليدي والاستفادة منه، كما تؤكدها بعض المعطيات من الوقع:

1- بدأت شركة “Microsoft” التي ساهمت ب 10 مليار دولار في مشروع إنشاء تطبيق “ChatGPT”بدمج الخدمات القائمة على الذكاء الاصطناعي في منتجاتها، حيث أعلنت في شهر فبراير 2023 عن طرح إصدار متميز من برنامج “Teams Groups” الخاص بها، يستخدم تطبيق “ChatGPT” لتوليد وظائف ذكية خلال الاجتماعات، وذلك من خلال  تضمينه مهام يشتمل بعضها على تلخيص ملاحظات الاجتماع وإجراء ترجمات مباشرة من 40 لغة منطوقة وغيرها، ومن المنتظر كذلك  تضمين برامج “Office” لوظائف الذكاء الاصطناعي التوليدية. بالإضافة إلى ذلك، فقد أعلنت الشركة مؤخراً عن قيامها بدمج “ChatGPT” في محرك بحث “Bing” الخاص بها. وقد تم تأكيد هذا الاهتمام والدعم في تصريحات مؤسس الشركة “Bill Gates”  التي أعرب فيها عن إعجابه بالذكاء الاصطناعي وتقنبة “ChatGPT” كتقنية قادرة على التأقلم والتطور والتأثير على العالم، أكثر من التقنيات الأخرى كتقنية “الميتافيرس” و “الويب 3.0” و”الرموز الغير قابلة للاستبدال NFT “.

2- أعلنت شركة “Google” مؤخرا على لسان رئيسها التنفيذي أنها بصدد إطلاق خدمة المحادثة التجريبية  “Bard” اعتمادا على تقنية الذكاء الاصطناعي التوليدي “LaMDA” التابعة لها.

3- خلال التقارير الأخيرة لشركة “Meta”، الشركة الأم لشركة “Facebook”، لوحظ كثرة تردد عبارتي “الذكاء الاصطناعي” و”الذكاء الاصطناعي التوليدي”، مقارنة بكلمة “ميتافيرس” التي ترمز إلى التقنية الجديدة التي أضافتها الشركة لخدماتها مؤخرا، وهذا يؤشر إلى الدينامكية التي خلقها تطبيق “ChatGPT” على المستوى الداخلي للشركة التي لم تستطع -لحد الآن- التموقع بقوة في مجال الذكاء الاصطناعي التوليدي، خصوصا مع الانتقادات التي أثيرت حول روبوت الدردشة “Blenderbot” التابع لها وإيقاف العمل بمساعد البحث “Galactica” الذي صممته بنفسها. وقد سارعت، هي الأخرى، إلى الإعلان عن نسختها الخاصة بها من الذكاء الاصطناعي المستخدم في تطبيقات Chat والمسماة “LLaMA” والذي قدمته كنموذج أصغر وأفضل أداء من  “ChatGPT”.

4- خلال مناقشة أرباح الشركة، قام الرئيس التنفيذي لشركة “Apple” بالإشادة بتقنية الذكاء الاصطناعي إلى حد القول أنها تقنية ستنعكس مستقبلاً على جميع منتجات الشركة وخدماتها.

5- تحاول شركة “Amazon”، التي تستعمل كذلك الذكاء الاصطناعي في منتجاتها كما هو الحال مع”Alexa” ، إخفاء اهتمامها بـتقنية “ChatGPT”، ومع ذلك فقد أعربت، عبر كبير موظفي التكنولوجيا فيها، عن انزعاجها من طريقة تعامل تطبيق “ChatGPT”  مع أمان خدمات “أمازون ويب” وعدم دقة المعلومات المتداولة فيه.

6- تسربت بعض الأخبار عن استعداد عملاق التكنولوجيا الصيني “Baidu” لإطلاق روبوت محادثة شبيه بـ “ChatGPT”  خلال الأشهر القادمة، يسمى “Wenxin Yiyan” باللغة الصينية أو “إرني بوت” باللغة الإنجليزية. وبموازاة مع ذلك، قامت الحكومة الصينية بحجب وصول مواطنيها إلى تطبيق”ChatGPT”، في إطار موجة التشريعات الصينية التي سنتها متذ عام 2019 والرامية إلى مراقبة استخدام التطبيقات المستخدمة للذكاء الاصطناعي، كجزء من خطة لفرض المزيد من السيطرة على الصناعة الناشئة بشكل متسارع في الصين، وتفاديا لاحتمالية نشر ما تراه الحكومة الصينية “معلوماتٍ مضللة” تعكس وجهة النظر الغربية فيما يتعلق بالصين،

7- أعلنت شركة “Snap” في شهر فبرير 2023 نيتها إطلاق روبوت دردشة باسم “My AI” لمشتركي” +Snapchat” اعتمادا على تقنية “ChatGPT”.

8- أعلنت شركة محرك البحث الكورية الجنوبية “نافير” في شهر فبراير 2023 أنها بصدد إطلاق خدمة “SearchGPT” باللغة الكورية  على غرار”ChatGPT”.

9- أعلنت شركة محرك البحث الروسية “ياندكس” في فبراير 2023 أنها ستطلق خدمتما في المجال تحت اسم “يالم 2.0” باللغة الروسية قبل نهاية عام 2023.

والمستخلص من هذه الدينامكية التي أثارها ظهور تطبيق “ChatGPT” في ساحة التكنولوجيا أن مجال الذكاء الاصطناعي التوليدي سيطفو على المشهد بشكل تصاعدي في السنوات المقبلة وسيكون له التأثير البالغ على مستقبل العالم.

هواجس حول الاستخدام

رغم الإمكانيات المثيرة للاهتمام التي يقدمها الذكاء الاصطناعي بصفة عامة وتطبيق “ChatGPT” بصفة خاصة، فإنّ هذا لم يمنع ظهور الكثير من المخاوف والانتقادات لهذه التقنية منذ الشهور الأولى من إطلاقه، وتتوزع تلك الهواجس حول استخدامات التطبيق ببن المحاور الآتية: 

1- الاخلاق:  كلما ذكر الذكاء الاصطناعي بصفة عامة ذُكرت معه المعايير الأخلاقية، فقد أدرك خبراء أخلاقيات الذكاء الاصطناعي مدى حساسية أن توضع تقنية شديدة التقدم وسريعة التطور كتطبيق “ChatGPT” بين أيدي الجمهور بلا رقابة، وما يمكن أن ينتج عن ذلك من مشاكل متعددة، خاصة إذا ما تُرك المجال أمام البرنامج لتعليم نفسه بنفسه. ويمكن تلخيص الهاجس الأخلاقي حول استخدام التطبيق في: -أولا، كون كل المعلومات المقدمة من طرف التطبيق مصدرها الإنترنت، كتب، مقالات، منشورات، مواقع إلكترونية وكذلك معلومات شخصية متوفرة حصلت عليها الشركة دون إذن أصحابها، -ثانيا، عدم وجود أية توضيحات بخصوص المعلومات الشخصية التي يتبادلها المستخدمون مع التطبيق وما يمثل دلك من تهديد للخصوصية وإمكانية انتهاكها، وهو الأمر الذي دفع بعض الشركات التقنية الكبرى ك”أمازون” لتنبيه موظفيها إلى عدم مشاركة بيانات سرية بسبب حالة عدم اليقين من التعرض للاستغلال واستخدام البيانات كمدخلات لتطوير البرنامج، كأن يجد أحدهم بياناته كإجابة على سؤال من مستخدم آخر، -ثالثا، ظهور “ChatGPT” كمؤلف للمقالات والدراسات الأكاديمية يثير علامات استفهام حول الأبعاد المهنية وحقوق النشر والتحقق من المعلومات ومدى دقتها ومعضلة الانتحال، -رابعا، استخدام شركات الاستشارات النفسية عبر الإنترنت تقنية  “ChatGPT” للرد على الاستفسارات ومعالجة الأفراد، مما يثير المخاوف الأخلاقية حول الرعاية الصحية وعلاقتها بتكنولوجيا الذكاء الاصطناعي، -خامسا،‏ قدرة التطبيق على إنتاج مواد إعلامية سمعية بصرية بالكامل، بدءًا من المحتوى وحتى الإخراج التصويري، دون مشاركة بشرية بعملية الإنتاج تزيد من فرص الانتحال والتزوير والتزييف للحقائق، -سادسا، تعرض التطبيق المستمر عبر الانترنيت للأخبار الزائفة والأفكار العنصرية والتوجهات السياسية المتطرفة ونظريات المؤامرة والصور النمطية حول مجموعات معينة أو شخصيات سياسية يجعل المخرجات التي ينتجها التطبيق كمحتوى تطرح العديد من المشاكل. 

2- البحث العلمي: في ظل  ما يقدمه تطبيق “ChatGPT” من مزايا توفر الجهد الكبير على الباحثين، يطرح السؤال عن مصير الدعائم التي ينبني عليها البحث العلمي: الأمانة العلمية، الموضوعيَّة، وضوح اللغة، الأصالة، التراكمية، التنظيم، الدقة والواقعية، وكذاك مصير  ثوابت تقييمه التي باتت التقنية تتولى تنفيذ بعضها باحتراف: -اختيار الأساليب والاختبارات الإحصائية المناسبة، -الاهتمام بالإطار النظري، -استعمال أساليب الكتابة الأكاديمية، -تنسيق الفقرات، الربط بين المعلومات، -التحلي بمهارات البحث، -بذل الجهد في جمع الدراسات السابقة. استعمال أساليب التوثيق المتشعِّبة والمُعقَّدة، -إجراء المعالجات الإحصائية الجيدة، -البحث عن مراجع حديثة، -الالتزام بنسبة الاقتباس، -وتضاف إلى ذلك سؤال مآل المهام المنوط بالهياكل والأطر الساهرة على البحث العلمي.

3- التعليم: في الوقت الذي تنمو فيه صناعة البرمجيات لتطوير أنظمة ذكاء اصطناعي أقوى من أي وقت مضى، تساعد وسائل التواصل الاجتماعي المتعلمين على كيفية استخدام الذكاء الاصطناعي في التعليم بشكل أسرع من معلميهم، ذلك لأن المعلمين غالبا ما يكونون أبطأ في فهمهم وقناعاتهم بهذه التقنيات، وغالبا ما يسقطون في فخ الاعتقاد الخاطئ أنهم قد أدوا واجبهم بطريقة ممتازة عندما ينجز المتعلمون أعمالا خالية من الأخطاء، اعتمدوا فيها على تطبيق “ChatGPT” أو نظام مشابه له. ويمكن استخلاص هواجس المهتمين بالمجال التعليمي حول استخدام “ChatGPT” في أربع نقاط: -أولا، إضعاف مهارات التفكير الإبداعي والنقدي عند المتعلمين من خلال إنشاء النص الفوري وسهولة الحصول على الإجابات ببساطة ودون  إجراء أي تقييم نقدي للمعلومات التي يحصلون عليها عبر روبوتات المحادثة، -ثانيا، صعوبة تقييم معرفة المتعلم والتمييز بين المحتوى النابع من عقله ومحتوى”ChatGPT”، -ثالثا، صعوبة احترام حقوق النشر، فبينما يعتبر نص  “ChatGPT”عملًا مشتقًا من البيانات التي تم التدريب عليها، تصبح مسألة  انتهاك حقوق النشر مستوجبة للمعالجة، ولو أن التكنولوجيا قد تقدم جزءا من الحل عبر استخدام برامج الكشف، مثل “Turnitin” و “Grammarly” و “Quetext”، -رابعا، إساءة استخدام البيانات.

4- الصحة: من خلال محاكاة الذكاء البشري والتعلم الآلي، يطرح استخدام الذكاء الاصطناعي في الطب آمالا كبيرة في تحسين خدمات العلاج وتحليل الصور الإشعاعية والتمييز بين الأورام، لكنه في نفس الوقت يطرح تخوفات، أبرزها: -أولا، أن استخدام التقنية لتوليد نصوص تشخيصية للأمراض ووضع خطط علاجية ومقترحات بأنواع الأدوية اللازمة يمثل خطرا حقيقيا على حياة البشر ما لم تُقنن وتضبط وظائفه. -ثانيا، أن استعمال التعلم الآلي في تطوير  مجال التعديل الجيني من خلال  قاعدة البيانات الجينية للأفراد قد يكون محفزا لسوء استخدام علم الجينات. -وثالثا، أن مسالة الخصوصية الصحية للأفراد تطرح نفسها بحدة،  لأن الذكاء الاصطناعي يعمل  على تحليل المعلومات الخاصة بالحالة الصحية والنفسية للأفراد والتي يتم تجميعها من مصادر متعددة، كالسجلات الطبية الإلكترونية لدى شركات التأمين والسجلات الجنائية ومن وسائل التواصل الاجتماعي.

5- الوظائف: من بين الهواجس حول استخدام تطبيق”ChatGPT”، تأتي كذلك مسألة تأثيره على مستقبل الوظائف، ذلك أن الذكاء الاصطناعي بصفة عامة أصبح وسيلة تُخوِّل للبشر أداء المهام التي كانت تتطلب سابقا مستوى عال من التعليم والمهارة. وكقاعدة عامة، ما إن يُتَاح للمشغلين استبدال الناس بالآلات فإنهم سيفعلون ذلك بلا أدنى تردد  لخفض التكاليف، فيصبح بذلك المصير والمستقبل مجهولا بالنسبة لوظائف المؤلفين، منتجي المحتوى الرقمي، المساعدين القانونيين، الصحفيين، المبرمجين، المساعدين التنفيذيين، المسوِّقين الرقميين، ممثلي خدمة العملاء… وحتى بالنسبة للوظائف المتاحة لخريجي المؤسسات التعليمية. ومع أن بعض النظريات تبشر بتغير الوظائف، إلا أن مجالات استيعاب كل هذه الشرائح من الموظفين الذين سيتضررون من هذا الوضع لا تزال غير واضحة المعالم وقد يستغرق إيجاد الحلول -إن هي وجدت- سنوات لن تكون بالقليلة، فقد خلصت العديد من الدراسات أن نسبة لا بأس بها (قد تصل إلى الثلث) من الوظائف في أمريكا ستكون مُعرَّضة للخطر مستقبلا.

تأطير مجتمع الذكاء الاصطناعي

لا شكّ أنّ العصر الحالي هو عصر التكنولوجيا وعصر الذكاء الاصطناعي بامتياز، فقد تطورت التقنية بشكلٍ لا مثيل له في أي عصرٍ آخر، وبدا التوجه نحو المزيد من تطبيقات الذكاء الاصطناعي أمر ضروري لتوفير رخاء البشرية وزيادة رفاهيتها. وفي المقابل يظل التخوف قائما من سلبياتها وتهديداتها، وهنا تبدو الحاجة الماسة إلى ضرورة البحث عن آلية تنظيمية وقيمية أخلاقية تحقق التوازن بين المضي في تطوير التقنية والحرص على تفادي سلبياتها وتؤطر من خلالها العلاقة بين الإنسان والآلة وبين الأفراد الذين يتعاملون مع الذكاء الاصطناعي في سبيل تحقيق الاستفادة دون المساس بحقوق البشر الأساسية. 

وللحديث عن إطار أخلاقي للتعامل مع مجتمع الذكاء الاصطناعي، يجب التسليم بأن الأخلاق في مجتمع الذكاء الاصطناعي هي فن ممارسة الحياة وإيجاد البديل الأفضل في ظل مجموعة البدائل المتاحة التي تحيط بالإنسان، وهذه الأخلاق لا يجب أن تقوم على مبدأ فرض القوانين على الناس، بل يجب أن تقوم على أساس أن الضمير الإنساني هو السلطة الأخلاقية الأولى في المجتمع، أي أن مصدر الإلزام الأخلاقي في مجتمع الذكاء الاصطناعي هو الإنسان نفسه ومن داخله، بحيث تركز هذه الأخلاق على مبدأ الالتزام -لا الإلزام- والرقابة الذاتية. وهي سلطة معنوية تحكم سلوك الناس، بشرط أن تتلاءم مع الفضائل والقيم الكونية والمسؤولية التي تتجاوز المصالح الخاصة. ومن الجدير بالذكر أن التركيز على الجانب الأخلاقي لا يعني النظر إلى الأخلاق كبديل عن القانون، بل يجب أن يعملا جنباً إلى جنب في تكامل بينهما، ويكون من واجب مؤسسات التنشئة  والتربية العمل على بث هذا الإطار الأخلاقي في نفوس الأفراد.

من جهة أخرى، يمكن التخفيف من الآثار السلبية لاستخدامات تقنيات الذكاء الاصطناعي عبر مجموعة من التدابير التنظيمية مثل: -وضع معايير دولية موحدة واعتمادها كلغة مشتركة وأداة للتنسيق تساعد الجميع على المساهمة في تطوير تطبيقات للذكاء الاصطناعي تخدم الصالح الإنساني، -الاعتماد على بيانات تكون دقيقة وممثلة للجميع، -وضع ضوابط قانونية لاحترام الخصوصية والأمن، -نهج الشفافية في مجال الذكاء الاصطناعي بغية تنوير صناع القرار في شتى المجالات، -تهيئة بيئات لاكتساب المهارات الرقمية والبديلة من خلال التعليم أو التكوين أو التدريب في مكان العمل،…

تحت المجهر

 

إن الطريقة التي يفكر بها الذكاء الاصطناعي ويتخذ بها قراراته تختلف تماماً عن تلك التي يفكر بها البشر، فهؤلاء محكومون في تصرفاتهم وقراراتهم بخبراتهم الذاتية ومبادئهم الإنسانية والمواقف التي مروا بها ومنظومة القيم التي تسيطر على الأفراد والقوانين، في حين أن ما يحكم الذكاء الاصطناعي هو منطق رياضي بحت يقوم على مبدأ بسيط للغاية وهو “تحقيق المصلحة أو النفعية”، وهو مبدأ ثابت ومرسخ في منظومة القيم البشرية كذلك، لكن مع غياب الإجماع حول تعريفه أو آلية تحقيقه، فالرأسمالية، مثلا، تُعظم من دور المصلحة الفردية والاشتراكية تعظم من دور المصلحة العامة، في حين تعلو المصلحة القومية للدولة في نظريات العلاقات الدولية. إن هذا الاختلاف حول مفهوم المصلحة ينطبق أيضاً على الفكر الاصطناعي الجديد، فالآلة الذكية إذا وجدت في طريقها شجرة تعوقها عن تحقيق هدفها سوف تقطعها، وإن وجدت مريضاً لا يُرجى شفاؤه سوف تخطو فوقه، وإن رأت موظفاً لا يقوم بعمله بكفاءة مثلما كان يقوم به من قبل سوف ترشح فصله من وظيفته دون نظر للأسباب التي جعلت منه موظفاً أقل إنتاجية. إن مفهوم المصلحة، بالإضافة إلى مفاهيم أخرى مختلف عليها، تعتبر مفاهيم نسبية من مجتمع لآخر، وتتوقف على مصدر القيم التي يتبناها هذا المجتمع أو ذاك، فإذا كانت قيماً مادية كما في الحضارة الغربية، أو قيماً معنوية كما في الحضارات الآسيوية، أو قيماً وسطية تجمع بين المادية والروحية كما في الحضارة الإسلامية، فكيف  للآلة أن تفهمها وتُعرفها؟

إن المعارف التي يمتلكها الذكاء الاصطناعي والتي تفوق قدرات البشر “تعصمه” ولو نظرياً من الوقوع في الخطأ، كما أن الذكاء الاصطناعي يتميز ب”الخلود”، فهو لا يموت مثل البشر. كل ذلك يصب في وعاء القيم المادية النفعية التي تُعظم من “تفرد الآلة “Machine Singularity، فيتم النظر إليها  كنموذج صحيح وحصري للتفكير السليم والمنهج الصحيح الذي يجب أن يسير عليه البشر والمصدر الجديد الذي يجب أن تأخذ منه البشرية قيمها وتشريعاتها وسلوكياتها بعدما كان المصدر من قبل هو الدين أو الفلسفة أو التاريخ.

تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد