صراع العروش من المسلسل إلى الواقع

بقلم الدكتور خالد علمي: كاتب وباحث مغربي

 

خلال السنوات الأخيرة، دأبت شركات الإنتاج العالمية على إنتاج العديد من المسلسلات التي تعمل على تسليط الأضواء على الواقع العالمي المتشابك والذي أصبح يمثّل شغفا متزايدا للجمـاهير مع تزايد حدة الصراعات في العالم : ملامح تحولات في موازين القوى العالمية، اقتراب الصراع الأميركي الروسي من حافة المخاطر الكبرى، صعود صيني، شرخ داخلي أميركي وأوروبي، قلق أوروبي حول مصير أوروبا وعلاقتها بحليفتها التقليدية، تحولات كبرى في الشرق الأوسط، بث النزاعات وتأجيجها، تجارة الأسلحة، استخدام المرتزقة، حواجز إسمنتية وتأشيرات وحدود  بين الشعوب، استغلال السلطة للمصالح الشخصية، انتشار الفساد، توزيع غير عادل للثروة، تعامل شكلي مع مصالح الجماهير، عنف، إقصاء، تراجع الحقوق، عنصريات متطرفة، اضطراب في قضايا المرأة والأسرة، فوضى الجنس…، وقد كان من بين هذه الأعمال الفنية المسلسل الأمريكي الشهير “صراع العروش”  الذي أنتجته قناة “HBO” الأمريكية وتستمر في تطوير مسلسلات أخرى مشتقة من الرواية ذاتها.

ممالك، أسر حاكمة، همج، عبيد، صراعات على العرش، دسائس، حروب، عنف، موت، جنس، آلهة، تنانين تنفث اللهب، جدار، خطر قادم…، تلك من بين ما يلفت الانتباه في عالم مسلسل “صراع العروش” المأخوذ من سلسلة روايات “أغنية الجليد والنار”  للكاتب الأمربكي  “جورج مارتن” التي مزجت، بطريقة أدبية ذكية، ببن الواقع والخيال، وهو المسلسل الذي استطاع بحبكته الدرامية أن يحظى بواحدة من أعلى نسب المشاهدة على مستوى العالم منذ بدء عرضه عام 2011.  

فما هي أوجه التميز في هذا المسلسل؟ وكيف يمكن قراءة أحداثه من خلال الواقع؟

 

مزج بين الخيال والواقع في أحضان الرواية واستفزاز للعقل.

 

“أغنية الجليد والنار ” A Song Of Ice and Fire ‏هي سلسلة من الروايات الخياليّة الملحميّة من كتابة المؤلف الأمريكي “جورج ر. ر. مارتن George R. R. Martin”، تتكون من سبعة أجزاء (وقد تصل إلى ثمانية أجزاء مستقبلا)، صدر منها لحد الآن خمسة أجزاء بأكثر من 700 صفحة في كل واحد منها، وهي : – “لعبة العروش”(1996)، – “صدام  الملوك”(1998)، – “عاصفة السيوف”(2000)، – “وليمة للغربان”(2005) و -“رقصة مع التنانين”(2011). وجدير بالذكر أن  “جورج مارتن” هو كاتب روائي أمريكي، ولد في “نيوجيرسي” في عام 1948 ودرس الصحافة في جامعة “نورث ويسترن” في “إيلينوي” وتخرج منها في عام 1970، وقد بدأ الكتابة بشكل احترافي منذ أن كان في الحادية والعشرين من عمره وكتب عدد كبير من الأعمال الروائية والقصصية وعلى رأسها هذه السلسلة الروائية الفائقة الشهرة.

تدور أحداث هذه السلسلة الروائية في القارّتين الخياليتين “ويستروس” و “إيسوس” في نهاية صيف امتد لفترة زمنية طويلة جداً قبل بداية أحداثِ الروايات، وبالضبط بعدَ 15 عاماً من مقتل آخر حاكم لممالك قارة “ويستروس” السبعة ونفي ذُرّيته إلى قارة “إيسوس” وتنصيب حاكم جديد للممالك السبعة. وفد اتخذت القصة ثلاث مسارات أساسيّة : -أولا، مسار الصراعَ عل عرش الممالك السبعة في قارة “ويستروس” وتصدع وحدتها والحروب التي نشبت فيها. – ثانيا، مسار الأحداثَ الواقعة في المناطق الجليدية في الشّمالِ حيث تعيش كائنات همجية معادية، وحيث بني جدار ضخم من الثلج (يطول يقارب 500 كلم وارتفاع يتعدى 200 متر) منذ ثمانية آلاف سنة لحماية قارة “ويستروس” من أي هجوم خارجي، والذي أنيطت مهمة الإشراف والدفاع فيه لفرقة من المقاتلين الملقبين  ب”حُرّاس الليلThe Watchers ” و -ثالثا، مسار محاولة ابنة الحاكم  الذي قتل قبل بداية أحداث الروايات لاستعادة حكم قارة “ويستروس”، وذلك عبر تكوين جيش كبير من العبيد وثلاثةِ تنانين انطلاقا من قارة “إيسوس”.

تبدأ القصّة بسرد حكاية مجموعةٍ صغيرة من الناس فتأخذ كل شخصيّة مساراً مختلفاً لحكايتها ثم تجتمع مرة أخرى في مواقع ومحاور وتعقيدات جديدة مع ظهور شخصيات أخرى، وهكذا فقد بدأت الروايات بتسع شخصيّات ،فقط، في كتاب “لعبة العروش”، وارتفعت لتصبح 31 شخصيّة مختلفة في كتاب “رقصة مع التنانين”، ويعرض كل فصل من فصول الروايات وجهة نظر شخصيّة معيّنة في القصة ويُروى من منظور الشخص الثالث، ولأن بيئة العصور الوسطى تسمح بالكثير من الخيال والتشويق والتعاطف والتفاعل مع الشخصيات، فقد كانت هي البيئة المناسبة للفنتازيات الملحميّة. 

من ناحية الجغرافيا السياسية، تنقسم الأراضي التي وردت في ثنايا القصة إلى ثلاث قارات :  -أولا، قارة “ويستيروس Westeros ”  أو الغرب وهي المنطقة التي شهدت أكثر الأحداث السياسية، تشبه الجزيرة البريطانية معكوسة الى جهة اليمين وجزيرة أيرلندا مقلوبة رأساً على عقب، يفصل شمالها عن جنوبها حائط جليدي يحمي الممالك السبع من الأخطار الآتية من المناطق الجليدية،  -ثانيا، قارة “ايسوس”Essos  أو الشرق وهي منطقة أكثر اتساعاً من قارة “ويستيروس” وأقل كثافة  سكانية منها، يفصلها بحر ضيق يشبه القناة الإنكليزية، وتفصل جبال “العظام” بين شرقها الأكثر غموضاً وغربها الأكثر تحضراً، في وضع شبيه لجبال “الأورال” التي تفصل بين شرق وغرب منطقة أوروسبا في الواقع الجغرافي و-ثالثا، قارة “سوثوريوس Sothoryos  ” أو الجنوب التي تقع في جنوب قارة ايسوس”، وهي قارة كبيرة جداً في الحجم وتتألف من صحاري كبيرة وغابات غير مسكونة وغير مكتشفة تشبه جغرافيا شبه الجزيرة العربية والقارة الإفريقية.

أما من الناحية التاريخية، فيمكن ربط العديد من أحداث القصة بأحداث حقيقية وقعت عبر التاريخ، كالآتي : 

– الممالك السبع تشير إلى ما حصل تاريخيا بعد غزو قبائل “الساكسون “Saxons و “الفايكينغ Vikings ” لأراضي الجزيرة البريطانية وتأسيس سبع ممالك على أراضي إنكلترا  “الأنغلوساكسون”، والتي عرفت تاريخيا بفترة الممالك السبع لإنكلترا “Heptarchy” بين القرنين الخامس والعاشر الميلادي، قبل أن تتوحد جميعها تحت راية مملكة إنكلترا في عام 927م،

– الصراع للسيطرة على عرش الممالك السبعة في قارة “ويستيروس” بين العائلتين النبيلتين مستلهم من “حرب الوردتين” التي عرفتها  إنجلترا مابين عامي 1455م و1485م حول الأحقية بكرسي العرش بين جيوش كل من عائلة “لانكستر” (الوردة الحمراء) وعائلة “يورك” (الوردة البيضاء)، وهما العائلتان المتفرعتان  من العائلة الملكية “بلانتاجينيت” التي حكمت إنجلترا لأكثر من 300 سنة،

– الحرب الدموية بين الخمس ممالك في قارة “ويستيروس” مستمدة من حرب المائة عام في أوروبا التي  نشبت بين إنجلترا وفرنسا للحصول على لقب ملك فرنسا وذهب ضحيتها مئات الآلاف من الناس،

– الجدار الضخم من الثلج على الحدود الشمالية للممالك السبع في قارة “ويستيروس”، وهو الذي يمكن ربطه بجدار حقيقي أصغر حجما يعرف باسم “جدار هادريان” الذي بناه الرومان قديما حول إنجلترا لحمايتها من البرابرة أو ما يُعرف اليوم باسم اسكتلندا،

– أمراء الخيول “Dothraki” الذين يعتمدون على النهب والقتل والاغتصاب يشبهون إلى حدٍ كبير المغول الذين اجتاحوا آسيا وأوروبا ونشروا القتل والرعب فيها،

–  أكلة لحوم البشر “Thenns” الذين يتغذون من لحوم حراس الجدار يشبهون عائلة “Sawney Bean”  التي اتّخذت من الكهوف مسكنًا في اسكتلندا في القرن السادس عشر وكان طعامهم المفضّل هو افتراس البشر.

– الزفاف الأحمر  مستمد من حادثة “العشاء الأسود” التي وقعت في اسكتلندا في أربعينيات القرن الخامس عشر، حين دعا الملك “جيمس الثاني” اثنين من أفراد واحدة من أقوى العائلات وقطع رأسيهما وحرق جثتيهما بعد وجبة العشاء،

– المحاكمة بالنزال مستمدة من المحاكمات بالنزال التي كانت مرجعًا قانونيًا لتسوية الخلافات القضائية في العصور الوسطى، فقد كانت الأطراف المتناحرة تستأجر محاربين للنزال من أجل الفوز بحجّتها،

 – النار الهائجة “Wildfire” التي استعملت في إحدى المعارك البحرية يمكن ربطها بالنار الإغريقية التي استخدمها الرومان في القرن السابع للميلاد, 

وقد نسجت الروايات في عالم شبيه بالعصور الوسطى ممزوج بالواقعية والخيال والسحر وبشخصيات غامضة، وكان مسرحا لطرح العديد من القضايا التي أراد المؤلف “جورج مارتن” -ذو النشأة الكاثوليكية والأفكار المتأرجحة بين الإلحاد واللاأدرية-  طرحها على شكل مقابلات ثنائية، وذلك كي يتسنى للقراء التفكير والتفاعل والنقاش والحسم فيها، كل على حسب قناعاته، واعتمد في ذلك على طريقة خاصة في الطرح والسرد، ويمكن عرض أهم هذه القضايا كالتالي  :

– الخيال والواقع، يؤمن المؤلف أن الخيال يجب أن يعكس الواقع على الأقل في جوهره وأن يستخدم بطريقة حكيمة في الخيال الملحمي، لذلك حاول دمج الواقع بالخيال مع أنهما مختلفين أدبيا، فعالم الروايات يسكنه في نفس الوقت بشر عاديون ومخلوقات خيالية كالعمالقة والمخلولات المسماة “الآخرين” و”أطفال الغابة”، كما تسكنه حيوانات مألوفة وحيوانات خيالية كالذئاب الرهيبة وكائنات أسطورية كالتنين، 

– السياسة والمجتمع، تركز القصة على المكائد السياسية الميكيافيلية أكثر منها على السيف والشعوذة، فهي قصة سياسية أكثر من كونها قصة بطولية، قصة صراع البشرية ضد هواجسها الأساسية أكثر منها من تحقيق إمكاناتها المجيدة، فتعكس الروايات بذلك الكسور في بناء طبقات العصور الوسطى، بحيث يُربَّى الناس على معرفة حقوق وواجبات طبقاتهم، فتحدد هوياتهم انطلاقا من ميلادهم أو من طبقتهم الاجتماعية أومن قيمهم وأمجادهم، وحيث يزدهر المنتصرون ويسحق المهزومون تحت الأقدام، والكل مجبر على الاختيار بين القرابة وبين مصالح الشرف والواجب والوطن، وأنه في أغلب الأحيان من يتخذ اختيارا نبيلاً يدفع الثمن بحياته، 

– الخير والشر، انطلاقا من مبدأ أنه ليس من السهل تحديد من يمثل الخير ومن يمثل الشر في الحياة الواقعية، تحاول القصة عدم إظهار فكرة الصراع المانوي بين الخير والشر، فالحروب مبهمة كمن يشنها من المخلوقات ومن يرعاها من الآلهة، ولا يمكن فيها  أن يحمي الخير نفسه من طوفان الشر بمظلة المثالية، بل برد الصاع بمثله حتى إلى مستوى التلذذ بالانتقام. فبدلاً من الشياطين و‌الملائكة تركز القصة على الشخصيات الرمادية، فيعامل البطل معاملة البطل من جهة والشرير من جهة أخرى، وبعكس ما يشاع في أدب الخيال، يستطيع الأشرار شرح وجهات نظرهم. ويكون للقارئ قرار تحديد من هو البطل ومن هو الشرير،

– العنف والموت، تعرض القصة موت الناس بكثرة -بمن فيهم الأبطال المحبوبين- وأحيانا، بطرق بشعة أو غير متوقعة، وذلك حتى يكون وقع الموت أكبر على شعور القراء الذين لا يجب أن يكون في استطاعتهم معرفة من سينجو في النهاية -حسب المؤلف-، وحتى تمرر من وراء الموت رسائل عن الطبيعة البشرية، والعنف له تكاليف إنسانية باهظة ويجب استحضاره بطريقة مؤثرة في ذهن القراء -حسب المؤلف يعتبر نفسه من المعرضين لحرب فيتنام-،

– الجنس والقوة، يعتقد المؤلف أن الجنس هو قوة دافعة في حياة البشر ولا يجب إقصاؤها من سرد القصة، لذلك قام بإقحام -وبكثرة- مشاهد الجنس المتنوعة  والتفصيل فيها سواء كانت مثيرة أو مقززة أو سطحية، وشملت هذه المشاهد الجنسية الجنس التوافقي، الاغتصاب، الجنس بين المحارم، الجنس الجماعي، الجنس المثلي، الجنس مع الأطفال، كما قام بتزويد شخصيات بدوافع جنسية، آخذا بعين الاعتبار نسق العصور الوسطى المليء بالتناقضات، حيث تبجل النساء بالأشعار ويقسم بها في البطولات وتغتصب في الحروب، في نفس الوقت،

– الهوية والتطور، شهدت شخصيات الروايات، بشكل ملفت جدا، تغيرات كبيرة في هوياتها مع تقدم فصول القصة، تماشيا مع فكرة المؤلف التي تفيد أن الهويات يمكن تغييرها مع تطور الظروف والأحداث كتغيير الملابس، وهو بذلك يرغب في طرح سؤال الهوية وحقيقتها،

– النسوية والذكورية، قدمت الروايات النوع النسوي والنوع الذكوري كمكونين للمجتمع البشري بنفس الاحتياجات الأساسية والأحلام والنفوذ، بالرغم من أن أحداث القصة تدور في مجتمع ذكوري، فترك بذلك النقاش مفتوحا على مصراعيه عند القراء بين الذكوريين والنسويين،

– الإيمان والإلحاد، تماشيا مع مركزية الدين في العصور الوسطى، تظهر القصة تنافس عدة ديانات بطبائعها الثقافية المختلفة، وهي ديانات استلهمت من ديانات حقيقية (ديانة “إيمان السبعة” مستوحاة من الديانة الكاثوليكية، ديانة الآلهة القديمة مستوحاة من الديانات الإحيائية والوثنية والاسكندينافية، ديانة الإله الغارق مستوحاة من الديانات المعمودية، ديانة “ريلور” مستوحاة من الديانة الزرادشاتية، ديانة الإله المتعدد الأوجه الشبيهة بعقيدة الحشاشين…)، ولا توجد ديانة في السلسلة مقدمة على أنها الديانة الأحق أو المصدر الوحيد للفضيلة، بل تركت الشرعية والتعاليم وقوة هذه الديانات غامضة، وقد جعل هذا التقديم المتنوع والمشمول بالنسبية للدين في منزلة المساءلة بين المؤمنين واللاأدريين والملحدين من القراء،

 وهكذا، فقد نجح المؤلف -إلى حد كبير- في خلط موضوعات الروايات وخلط العالم الواقعي بالعالم الخيالي وتنويع الأحداث والإثارة، مما يفرض على القارئ الانخراط في عالم القصة والتفكير في أسئلة قضاياها المستفزة لعقله. وقد استطاعت هذه السلسلة الروائية نيل شُهرةً عالميّة كبيرة، حيث وَصَل عدد مبيعاتها إلى أكثر من 24 مليون نُسخة في أميركا الشماليّة، وحدها، في أواخر سنة 2013، وتُرجمت لأكثرَ من 45 لُغة، كما اعتمدت عليها الكثير من الأعمال الأدبية والفنية كان أبرزها المسلسل الشهير “صراع العروش  The Game of Thrones”.

 

متانة الإخراج الدرامي والفني في المسلسل  وآفاق الإبداع.

 

مابين عام 2011 و 2019، عرضت قناة “HBO” الأمريكية المواسم الثمانية (73 حلقة) لمسلسل “صراع العروش Game of Thrones” كأول مسلسل مبني على سلسلة روايات “أغنية الجليد و النار”، وهو مسلسل  من صنف الدراما والفانتازيا الملحمية، من تأليف “D. B. Weiss” و”David Benioff” و سيناريو” George R. R. Martin” ، “David Benioff” ، “D. B. WeissBryan Cogman”، “Jane Espenson” ،”Vanessa Taylor”  و “Dave Hill”.  والجدير بالذكر أن قناة  “HBO”هي شبكة تلفزيونية أمريكية تنتمي-إلى جانب شبكة “CNN”- إلى مجموعة “AT&T” القابضة والمتعددة الجنسيات، وتشتغل في مجال الخدمات التلفزيونية والإنتاج السمعي البصري، فهي تنتج الأفلام السينمائية وكذلك المسلسلات والبرامج  التلفزيونية لأكثر من 150 بلد حول العالم، وتقدم خدمات تلفزيونية مدفوعة الثمن لأكثر من 40 مليون أمريكي مستفيد وخدمات الفيديو حسب الطلب. وقد تم تصوير المسلسل في استوديوهات “بلفاست” الأيرلندية ومواقع أثرية وطبيعية جذابة في كل من أيرلندا الشمالية (القلعة،أسوار الظلام)، مالطا (مدينا)، اسكتلندا (قلعة دون)، كرواتيا (برج مينشيتا، دوبروفنيك)، أيسلندا (فاتناجوكول، رينيسفارا)، إسبانيا (بارديناس ريليس، أشبيلية) والمغرب (وارزازات، قصبة آيت بن حدو، إفران والصويرة، ونظرا لتعدد وتباعد مواقع التصوير وكثرة الممثلين والعاملين ضمن المشروع، فقد رصدت مبالغ ضخمة جدا لإنتاج المسلسل، وصلت -حسب بعض التقديرات- إلى 15 مليون دولار لإنتاج إحدى حلقاته.

وفي مقابلة بين مواسم مسلسل “صراع العروش” وسلسلة كتب “أغنية الجليد والنار” الأصلية، يمكن ربط أحداث الموسم الأول بكتاب “لعبة العروش”، الموسم الثاني بكتاب “صدام الملوك”، الموسم الثالث بكتاب “عاصفة السيوف”، الموسم الرابع بكتاب “عاصفة السيوف”، الموسمين الخامس والسادس بكتاب “وليمة الغربان” وكتاب “رقصة مع التنانين” والموسمين السابع والثامن بكتاب “لعبة العروش”. ومع أن المسلسل شهد بعض الانحرافات عن مسار الروايات الأصلية وغياب بعض الأحداث والشخصيات وإقحام شخصيات جديدة، فقد نجح صناع المسلسل -إلى حد بعيد- في تجاوز تعقيدات الروايات وتفكيكها والالتزام بالخطوط العريضة لأحداثها وقضاياها، وهكذا، فقد تم تقديم المسلسل للمشاهدين على شكل وجبة دسمة من المسارات الدرامية Storylines”” المتوازية والمتقاطعة، يصلح كل مسار منها بذاته لأن يكون عملا دراميا مستقلا، والمشحونة بالتاريخ والسياسة والخيال والحب والجنس والحروب والكثير من التناقضات. وبالرغم من وجود جوانب خيالية بارزة في سياق المسلسل وأحداثه، فإن عرض الجوانب المتعلقة بالصراعات السياسية والعسكرية ونشأة الدول وانحطاطها وعلوّ الأفراد وسقوطهم وأجواء الصراع الأزلي بين الخير والشر وبين المثالية والواقعية، تميز بالقوة والمتانة والكثافة والواقعية سواءً على مستوى الأفكار أو في مجمل الأحداث وتفاصيلها أو السرد أو الإخراج الدرامي والفني. 

وقد ساعد تشعُّب الأفكار  والأحداث وكثافة الشخصيات وتنوعها على خلق مجال خصب للإسقاطات على الماضي والحاضر وصراعاتهما عند المشاهدين، حسب خلفياتهم الثقافية والتاريخية والفكرية الخاصة. هذا ويمكن اعتبار أهم ما تميز به المسلسل : 

– أولا، البناء الدرامي المتعدد الخطوط والمتضمن لمختلف الألوان الفنية بين الفانتازيا والخيال والإثارة والتشويق، وذلك بالاعتماد على كم هائل من مشاهد الأكشن والمعارك وعدد كبير من  الشخصيات الذين تربط بينهم علاقات متباينة تتنوع ببن الصداقة والحب والكراهية، 

– ثانيا، العالم الخيالي بكل ما يشتمل عليه من جغرافيا وتاريخ ودول وشعوب وديانات وكائنات غريبة وسحرية. 

– ثالثا، تسارع الأحداث  وتلاحقها وتركيزها على التأثير وتقديم المعلومات، 

– رابعا، تصميم المعارك والخدع البصرية، على عكس المسلسلات التلفزيونية الأخرى التي لا تعتمد.كثيرا على الخدع البصرية، 

– خامسا، الأبعاد الفلسفية والأفكار العميقة، خلافا للمسلسلات التي انتشرت خلال التسعينات والتي كانت تدور حول بطل يواجه الخطر في أجواء أسطورية مخيفة بدون أي تعقيدات.

وتبعا لذلك، فقد نجح المسلسل في جمع شرائح مليونية شديدة التباين من المشاهدين من كافة الأعمار والجنسيات والخلفيات الثقافية والفكرية، وبمرور الوقت حصل هذا المسلسل على أرقام متزايدة في نسب المشاهدات وقاعدة جماهيرية واسعة ونشطة في كافة أنحاء العالم. ففي الولايات المتحدة الأمريكية -مثلا- انتقلت نسبة المشاهدة من حوالي 2.5 مليون مشاهدة في الحلقات الأولى من المسلسل إلى حولي 19 مليون مشاهدة في الحلقة الأخيرة، حتى أن المسلسل بقي الأكثر استقطاباً للتعليقات في الشبكات الاجتماعية بعد عام من انتهاء عرضه، ووصل الإعجاب بالمسلسل إلى شخصيات سياسية مهمة كالرئيس الديمقراطي الأمريكي الأسبق  “باراك أوباما” ورئيسة وزراء أستراليا  السابقة “جوليا غيلارد” والرئيس الصيني الحالي “شي جين بينغ”، كما حاز المسلسل على العديد من الجوائز الفنية الكبرى، كجائزة “إيمي برايم تايم” كأفضل مسلسل درامي (2019). وبالرغم من النجاحات والإقبال الذي حضي به المسلسل، فقد وجهت له عدة انتقادات تخص أساسا كثرة مشاهد الجنس والعري والتمييز على أساس الجنس والعنف (أكثر من 80 مشهد عري وأكثر من 3500 مشهد عنف)، مع العلم أنها أرقام تبقى أقل أو في مستوى عدد تلك المشاهد في المسلسلات الأمريكية الأخرى. 

وقد حفزت الأرباح التي جنتها الشركة المنتجة “HBO” بفضل هذا المسلسل (أكثر من مليار ونصف دولار  عام 2013) والزخم الجماهيري حوله إلى تطوير أعمال جديدة مشتقة من نفس الروايات، كاستثمار آمن ومضمون النجاح وكخطوة تشبه -إلى حد كبير- توجهات “Disney” نحو إنتاج سلاسل تكميلية ل”حرب النجوم “Star Wars  و”مارفل “Marvel، فبدأت في مرحلة تطوير مبكرة لإعداد سلسلة تكميلية لمسلسل “صراع العروش” تدور أحداثها حول “جون سنو”، إحدى الشخصيات البارزة في المسلسل والمفضلة لدى المشاهدين، كما قامت خلال النصف الأخير من عام 2022، بإصدار مسلسل جديد (10 حلقات) تحت عنوان “آل التنين House of the Dragon”، والذي يحكي قصة حرب أهلية وحشية دارت بين الفصائل المتنافسة من سلالة “تارغاريان” عندما كانت في أوج قوتها قبل 200 عام من أحداث مسلسل “صراع العروش”. بالإضافة إلى ذلك، توجد الآن قيد التطوير أو الإنتاج مشاريع مسلسلات أخرى ومشاريع مسرحيات ورسوم متحركة مقتبسة من نفس المسلسل، كمسلسل “Tales of Dunk and Egg”، مسلسل “The 9 Voyages”، مسلسل ” Ships 10000″ و مسلسل”Flea Bottom”.

 

تعدد الإسقاطات من المسلسل إلى الواقع.

 

لا يخفى على المتابع للفنون الحديثة مثل السينما والأدب شعور الحنين العالمي الجارف للماضي و الحين الغربي للعصور الوسطى كأصل مفقود، مدفوعا بعواطف ورغبات وأيديولوجيات الحاضر، ويمكن إدراج هذه الظاهرة، من وجهة نظر سيكولوجية، ضمن الظواهر التي يسببها انزعاج الإنسان من الوتيرة السريعة للتغير في العالم الحديث وتوقه الغير مسبوق لزمن كانت الحياة فيه أبطأ وأكثر قابلية للتنبؤ، ورغم أن مسلسلات مثل “صراع العروش” و”فايكينغ” و”فيامة أرطغرل” وغيرهما ليست تاريخية بالمعنى الدقيق وتبدو مستوحاة من القصص الشعبية ولا تكشف إلا على القليل من الماضي، فإنها تخبر عن الكثير  فيما يخص كيفية تخيل ذلك الماضي. ومن وجهة نظر فلسفية، يرى بعض الفلاسفة المعاصرين أن مأزق ما بعد الحداثة يمكن من خلاله فهم الواقع المعاصر على أنه إعادة إصدار للقرون الوسطى، ففي عالم ما بعد الحداثة ليس ثمة ما يمكن أن نطلق عليه حقيقة موضوعية، بل هناك فقط “حشد من الاستعارات” – حسب الفيلسوف  نيتشه-، وفي هذا المنحى، تقدم قصة “صراع العروش” نطاقًا متنوعًا للغاية من وجهات النظر عبر كم هائل من الخطوط الدرامية والسردية المتشابكة والمتضمنة لقضايا اجتماعية متعددة وشائكة.

على المستوى السياسي، يمكن اعتبار قصة “صراع العروش” من الوسائل الذكية لفهم العالم الواقعي وأحداثه السياسية الراهنة والمستقبلية، فهي تقسم العالم إلى ثلاث عوالم : عالم غربي ممثل بقارة “ويستروس” التي تشبه جزيرة بريطانيا بالمقلوب -في إشارة لمركز العالم الغربي اليوم-، وعالم شرقي  ممثل بقارة “إيسوس” التي تشبه خريطة تركيا الحقيقية -في إشارة إلى مركز الإمبراطورية العثمانية- ويسكنها قوم “الدوتراكي” المعروفين بالقوة والهمجية وركوب الخيل إلى جانب قومٌ “الإينسوليت” الذين خضعوا لعبوديةِ طاغيةٍ حولّتهم إلى مجرّد جيش تخاض بهم الحروب، وكلا القوميْن تستعين بهم الملكة “دنيريس” صاحبة التنانين “القوة الجوية” لتزحف بهم إلى قارة “ويستروس” لاسترجاع العرش الحديدي. كما تقسم القصة القوات الضاربة إلى قوات جوية ممثلة في تنانين عائلة “تارغيريان”، قوات بحرية ممثلة في الأسطول الحديدي الذّي تمتلكه عائلة “آل جريجويز” الحاكمة لجزر الحديد، قوات برية ممثلة في قوم “الدوتراكي” المتسلحين بالخيل والمناجل والقادمين من الشرق، وأسلحة دمار شامل ممثلة في سلاح “النار الخضراء” التي تمتلكنا عائلة “لانستير” المتربّعة على العرش الحديدي بعاصمة الممالك السبع.

وهكذا تكون القصة قد قدمت رموزا متخيّلة بدلالاتٍ سياسية كثيرة تاريخية ومعاصرة، فالعالم اليوم يمكن تقسيمه كذلك إلى ثلاثة أقاليمٍ أساسية بهواجس مختلفة : -أولا، الغرب المكون من أوروبا الغربية وأمريكا الشمالية، والذي يهيمن عليه هاجس الخوف -مع بعض الاختلاف ببن أوروبا وأمريكا- من فقدان السيطرة، الخضوع لحكم قوةٍ خارجية، التراجع الاقتصادي، قلّة مناصب الشغل، الأمن، الإرهاب، الإسلام، الهجرة، التغيّر الديمغرافي وتفكّك الهوية، ويعد الجدار المثير للجدل والفاصل بين أمريكا والمكسيك والجدار العنصري في ما يسمى ب”دولة إسرائيل” وأنظمة التأشيرات في الدول الغربية، إحدى مظاهر هذا الهاجس، -ثانيا، الشرق المكون أساسا من دول تتصاعد فيها هواجس الثقة والأمل، كالصين التي بدأ وضعها الدولي يتعافى ويتنامى بسرعة بعد قرنين من الانحدار النسبي، والهند التي أصبحت تفرض نفسها على المسرح الدولي لأول مرّة في تاريخها الحديث باعتبارها قوةً مستقلةً ومهمّةً أيضا، وروسيا التي تحاول إحياء أمجادها القيصرية، و-ثالثا، العالم الثالث الذي يشمل الرقعة الجغرافية الكبيرة ويضمّ شعوب ما يسمى ب”العالم الثالث” ومنها شعوب العالم الإسلامي، التي يهيمن على ثقافاتها الإحساس بالنقص والإذلال، كشعوب العالم الإسلامي الذين كانت حضارتهم تشّع بالأنوار في زمن كانت فيه أوروبا تغرق في ظلمات القرون الوسطى، لكن ولعوامل كثيرةٍ انقلبت الأوضاع وصار العالم الإسلامي دويلاتٍ متفرقةٍ محكومة بنظمٍ سياسيةٍ مختلفة ومتناحرة في بعض الأحيان، وتمت عملية زرع الكيان المسمى “دولة إسرائيل” بينهم، وهذا ما جعل الشعور بالإذلال يتنامى عندها ويتطور مع الوقت إلى شعور بالكراهية ضد الغرب. وهذا التباين في الهواجس بين مناطق العالم هو ما ترجمته مجموعة من الأعمال الدرامية من الغرب والشرق التّي أصبحت تحظى بشعبيةٍ عالميةٍ ضخمة لا نظير لها في تاريخ الفن كالمسلسل الأمريكي “صراع العروش” في مقابل المسلسل التركي “قيامة أرطغرل”.

إن مجموع هذه الهواجس هي التي تشكل جوهر الصراع بين الدول وتؤجج النزاعات السياسية بينها من أجل فرض السيطرة والنفوذ، دون أخذ بالاعتبار التهديدات على مصير البشرية، فالصراع القائم بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين على المسرح الدولي، والذي قد يكون مآله التدمير الذاتي للجميع، يقابله الصراع الانتحاري بين ممالك قارة “ويستروس” الذي سيؤدي إلى هلاكهم كما وقع تاريخيا لكلٌّ من أثينا وإسبرطة اليونان عندما سقطوا تحت الغزو الفارسي ثمّ الروماني، أو ما وقع للمدن الإيطالية في العصور الوسطى ومطلع عصر الأنوار عندما سقطت تحت رحمة الأطماع الجرمانية-النمساوية والأطماع الفرنسية، ففي الموسم الأخير من سلسلة “صراع العروش”، تضع الأسر الحاكمة في الممالك السبع خلافاتها جانباً لتقاتل معاً ضدّ تهديدٍ مميت تحمله مخلوقاتٌ غريبةٌ قادمةٌ من منطقة الشمال المتجمّد، كإشارة للتهديدات والمخاطر الجديدة القادمة التّي تُهدّد البشرية جمعاء، مثل مشكلة المناخ والاحتباس الحراري وسوء التغذية التي أصبحت محل اهتمام كبير في علم العلاقات الدولية وعلم الجيوبولتيك. وكما هو الحال لأغلب المنشغلين بلعبة السياسة الذين لا يؤمنون  بوجود خطر حقيقي على البشرية من هذا النوع، فقد اختارت “سيرسي لانستر” أن تنأى بجيشها عن خوض تلك الحرب لأن حرب العرش كان شاغلها الأول.

أما على مستوى السياسة المحلية، فبالرغم من أن أمريكا -كما هو الشأن بالنسبة لدول غربية أخرى- لا تحكمها الملكية، إلا أن هناك تشابه -إلى حد بعيد- بين ما يحدث في المجال العام في السياسة الأميركية وصراع  العائلات في قارة “ويستروس” للسيطرة على الحكم، فيبدو التشابه واضحا بين الملك “جوفري” وريث العرش والابن الأكبر ل”روبيرت باراثيون”، والرئيس الأميركي السابق “دونالد ترامب”، فكلاهما غير محبوب من قطاع عريض من الشعب، وكلاهما تحكمه الأنا المتعالية، وكلاهما يلوّح بأن مقاليد الرئاسة في يده كأنها عصا سحرية ستمكّنه من فعل أي شيء، ولا تخلو ساحات الانتخابات من الصراعات والمكائد بين النخبة المتحكمة في اللعبة السياسية، أمام تنامي الشعور بالتهميش عند العديد من الأميركيين، فالخداع في قاموس “اللورد بايليش” -مثلا- هو الفوضى الهادئة التي ينشرها بين المحيطين به من مساعدي الملك والعائلات الثرية، عملا بالمبدأ الخاص به : “دمّر من حولك لتتمكّن من الصعود إلى مبتغاك في هدوء ودون أن يلتفت إليك أحد ويعرقل خُطاك”. ومن جهة أخرى، تبحث “سيرسي” عن القوة في أي موضع حولها لتُثبّت أقدامها أكثر في ساحة العرش، خصوص بعد النكبات التي حلت بها، فتلجأ أولا إلى الدين كأداة لاستعادة قوتها من جديد، لكن ما لم تتوقعه “سيرسي” هو أن هذه القوة الدينية ستنال منها أيضا ومن ابنها الملك، فنجدها في النهاية تلجأ إلى قوة العلم الذي أعانها على الانتقام من أعدائها رجال الدين، كرمزية تشير إلى فعالية قوة العلم المتمثلة في الأسلحة والدروع الحصينة التي يبتكرها العلم أمام فعالية قوة الدين.

وفي نهاية السلسلة، وبعد موت أم التنانين “دنيريس” والتي كانت المرشحة للعودة إلى عرش أجدادها، يقع الاختيار على الشخص الأضعف جسديا بين الجميع للتربع على العرش الحديدي، إنه “بران” الشاب المشلول جسديا والمتميز بهدوء طبعه وقوة ذاكرته وقدرته على استشراف المستقبل، وكذلك تم اختيار الرجل القزم والضعيف كذاك “تيريون لانستير” لمنصب مساعد الملك، وهو الحكيم والداهية الذي استطاع الإفلات من جميع مكائد الصراع، في إشارة رمزية واضحة إلى أن قيادة هذا العالم المضطرب تستوجب امتلاك قدرات عقلية خاصة تتضمن ذاكرة حافظة للماضي وذكاء قادرا على تحليل المعطيات واستشراف المستقبل، وليس بالضرورة امتلاك القوة المادية فقط.

من الناحية الأخلاقية، فكما أن العالم الحالي يشهد تدافعا بين أخلاقيات “الواجبية” و”النفعية” في ما يخص اتخاذ القرارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، جوابا على سؤال  “متى يجوز أخلاقيًا التسبب في ضرر من أجل منع المزيد من المعاناة؟”، تتعرض القصة إلى نماذج تجسد تلك النظريات الأخلاقية على الرغم من أن الأشخاص العاديين نادرًا ما يتصرفون بشكل كامل وفقها، فمثلا، عندما أمر الملك المجنون “آيريس تارغاريان” بإحراق المدينة بأكملها وقتل جميع مواطنيها، يقوم حاميه وخادمه “جيمي لانيستر” بانتهاك اليمين  المقدسة بقطع حنجرة الملك لإنقاذ الأرواح بمنطق “النفعية” ضدا على منطق “الواجبية” التي تحضر قتل إنسان في سبيل إنقاذ آخرين، وكذلك كان الأمر بالنسبة ل”سيرسي”  التي رجحت منطق “النفعية” المحايدة حين تخلفت عن معركة “وينترفيل” المصيرية مع الجميع واهتمت بتفجير المعبد بالنيران لتقتل الآلاف من الأرواح لحماية نفسها وابنها.

 

على المستوى الاجتماعي، قدم المسلسل صور صادمة ومتناقضة على العلاقات الاجتماعية وخصوصا فيما يتعلق بالمرأة التي يقدمها المسلسل تارة ككائن مستقل يتساوي مع الرجل في الرغبة في النفوذ والسلطة والجنس، وفي كثير من الأحيان كأداة للاستمتاع الجنسي وخدمة مصالح الآخرين، وهو ما يشير إلى الازدواجية التي تتعامل بها المجتمعات الغربية مع المرأة في واقع الحال، كما تم إدراج العديد من المشاهد التي تحاكي الفوضى والعبث الجنسي “الغير طبيعي” الذي يعرفه العالم ويتم الترويج له بكل الوسائل.   

 

تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد